أبي منصور الماتريدي

363

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : عن الأحوال التي ترد في ذلك . لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد المذهب لم يجز الشك فيه ؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات ، إنما تعتقد للأبد ؛ لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد . وبالله التوفيق . ثم قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ يتوجه وجهين : أحدهما : إلى التوحيد ، وكذا روى عن ابن عباس « 1 » - رضي الله عنهما - أنه قال : « كلّ عبادة في القرآن فهو توحيد » . والوجه الآخر : أن يكون على كل طاعة أن يعبد الله بها ، وأصلها يرجع إلى واحد ؛ لما على العبد أن يوحد الله - تعالى - في كل عبادة لا يشرك فيها أحدا ، بل يخلصها فيكون موحّدا لله تعالى بالعبادة والدين جميعا . وعلى ذلك قطع الطمع ، والخوف ، والحوائج كلها عن الخلق . وتوجيه ذلك إلى الله تعالى بقوله : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] وعلى ذلك المؤمن لا يطمع في الحقيقة بأحد غير الله ، ولا يرفع إليه الحوائج ، ولا يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن الله جعله سببا لوصول بلاء من بلاياه إليه على يديه ؛ فعلى ذلك يخافه ، أو يرجو أن يكون الله تعالى جعل سبب ما دفعه إليه على يديه ، فبذلك يرجو ويطمع ، فيكون ذلك من الضّالّين ، فيكون في ذلك التعوّذ من جميع أنواع الذنوب ، والاستهداء إلى كل أنواع البر . وقوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . فذلك طلب المعونة من الله تعالى على قضاء جميع حوائجه دينا ودنيا . ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ على طلب التوفيق لما أمر به ، والعصمة عما حذّره عنه ، وكذلك الأمر البيّن في الخلق من طلب التوفيق ، والمعونة من الله ، والعصمة عن المنهى عنه جرت به سنة الأخيار . والله الموفق .

--> - وفي الباب عن أبي ذر : أخرجه البخاري ( 5 / 446 ) كتاب العتق ، باب أي الرقاب أفضل ( 2518 ) ، ومسلم ( 1 / 88 ) ، كتاب الإيمان باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ( 136 / 84 ) ، والنسائي ( 6 / 19 ) ، كتاب الجهاد ، باب ما يعدل الجهاد في سبيل الله . وعن أبي هريرة : أخرجه البخاري ( 4 / 156 ) كتاب الحج ، باب فضل الحج المبرور ( 1519 ) ومسلم ( 135 / 83 ) ، والنسائي ( 6 / 19 ) . ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 1 / 99 ) ( 171 ) عنه بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر ( 1 / 39 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم .